سهيلة عبد الباعث الترجمان

303

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

هذه الحالة لأن امتداد كل شيء عنده ينتهي إلى مبدئه ، وفي هذا صورة واضحة لمذهبه في وحدة الوجود حيث يتم فيه رجوع كل شيء إلى اللّه فأصبح البدء والمبدأ والمبديء واحدا ، يقول : " إنما ظهر الجسم بصورة الاستدارة . . . لأن اللّه أراد أن يملأ به الخلاء ، فلو لم يكن مستدير الشكل لبقي في الخلاء ما ليس فيه ملاء . والخلاء استدارة متوهمة لا في جسم ، وإنما وقع الأمر هكذا لصدور الأشياء عن اللّه ورجوعها إليه ، فمنه بدأ وإليه يعود ، فلا بد أن يكون هذا الأمر في عالم الشكل صورة دائرة لأنه لا يعود إليه على الطريق الذي خرج عليه ، وأن امتداده ينتهي إلى مبدئه ، فلا بدّ من الاستدارة فيه معنى وحسّا ، وفي خلقه العالم على الصورة أن خلقه مستدير الشكل . . . لابد للعالم من الرجوع إلى اللّه فإنه القائل : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ « 1 » فإذا انتهت ورجعت إليه عاد الأمر إلى البدء والمبدأ والمبدئ ، والمبدأ رحمة وسعت كل شيء ، والمبدئ وسع كل شيء رحمة وعلما « 2 » . والدائرة كما يراها ترمز إلى وجهي الحقيقة الوجودية الكاملة من حق وخلق ، ولا تخلو من الجمع بينهما في شكلها المتمثل بوجهي الحقيقة ، فالخلق لا يخرج عن دائرة الحق لاتصافه بصفاته وقبوله لأسمائه على اختلاف مسمياتها ومظاهرها ، وهكذا فالدائرة وجود واحد متكامل مهما كانت لديها قابلية الانقسام ، يقول : " إن الدائرة قابلة للقسمة بلا شك ، فإذا اتصلت الدائرة فلا يزول العلم منا إنها ذات قسمين من أي حد فرضته فيها ، وإنما تقبلها من أي حد فرضته فيها لما ورد في الإخبار الإلهي من اتصاف الحق تعالى بصفات الخلق ، واتصاف الخلق بصفات الحق كما قاله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ، « 3 » . . . كذلك الخلق الذي هو العالم يقبل أسماء الحق وصفاته ، وكذلك الحق يقبل صفات الخلق لا أسماءه بالتفصيل ، ولكن يقبلها بالإجمال ، فقبوله بالإجمال مثل قوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ « 4 » لكونه لا يقبل أسماء العالم بالتفصيل ، فكل أسمائه مشتقة

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية : 123 ك . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثالث ، ص 158 . ( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 11 ك . ( 4 ) سورة فاطر ، الآية : 15 ك .